الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
269
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والخير : هو ما وصفه الدين بالحسن ووعد على فعله بالثواب . ومعنى تَجِدُوهُ تجدوا جزاءه وثوابه ، وهو الذي قصده فاعله ، فكأنه وجد نفس الذي قدّمه ، وهذا استعمال كثير في القرآن والسنة أن يعبر عن عوض الشيء وجزائه باسم المعوض عنه والمجازى به ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في الذي يكنز المال ولا يؤدي حقه « مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه يقول : أنا مالك أنا كنزك » . وضمير الغائب في تَجِدُوهُ هو المفعول الأول ل ( تجدوا ) ومفعوله الثاني خَيْراً . والضمير المنفصل الذي بينهما ضمير فعل ، وجاز وقوعه بين معرفة ونكرة خلافا للمعروف في حقيقة ضمير الفصل من وجوب وقوعه بين معرفتين لأنّ أفعل من كذا ، أشبه المعرفة في أنه لا يجوز دخول حرف التعريف عليه . و خَيْراً : اسم تفضيل ، أي خيرا مما تقدمونه إذ ليس المراد أنكم تجدونه من جنس الخير ، بل المراد مضاعفة الجزاء ، لما دل عليه قوله تعالى : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ [ التغابن : 17 ] وغير ذلك من كثير من الآيات . وأفاد ضمير الفصل هنا مجرد التأكيد لتحقيقه . وعطف وَأَعْظَمَ أَجْراً على خَيْراً أو هو منسحب عليه تأكيد ضمير الفصل « 1 » . وانتصب أَجْراً على أنه تمييز نسبة ل أَعْظَمَ لأنه في معنى الفعل . فالتقدير : وأعظم أجره ، كما تقول : وجدته منبسطا كفا ، والمعنى : أن أجره خير وأعظم ممّا قدمتموه . وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يجوز أن تكون الواو للعطف فيكون معطوفا على جملة وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ إلخ ، فيكون لها حكم التذييل إرشادا لتدارك ما عسى أن يعرض من التفريط في بعضها توبة منه .
--> ( 1 ) ضمير الفصل هنا وقع بين معرفة وهو الضمير المفعول الأول لفعل « تجدوه » ، وبين ما هو بمنزلة المعرفة وهو اسم التفضيل لشبهه بالمعرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه كما ذكره في « المفصل » « والكشاف » .